من التعقيد إلى البساطة: كيف غيّرت الحياة أسلوبي في الكتابة
- Mohamad Jandali

- 10 أغسطس 2025
- 2 دقيقة قراءة
عندما التحقتُ بإحدى أهم الجامعات في كندا Carleton University لدراسة الإعلام، كنتُ أتوقع أن أتمكّن من صياغة أفكار بسيطة وواضحة. لكن، بدلاً من ذلك، تعلّمت الكتابة بأسلوب معقّد، مدعوم بالأبحاث والأرقام، مع صياغة كل جملة بعناية وكأنها تُنتج داخل مختبر لغوي.
كنتُ أجيد البحث، وجمع المعلومات، والتحقق من المصادر، والتحليل المتعمّق. وهذه مهارات شكّلت جزءاً مهماً من شخصيتي المهنية. لكنني أيضاً اكتسبت فكرة خاطئة: أن التعقيد في النصوص هو علامة على الاحتراف والذكاء.

مواجهة الواقع بعد الجامعة
في سوق العمل، ومع الاحتكاك اليومي بالعملاء والزملاء والجمهور، اكتشفت أن الناس لا ينجذبون للتعبير المبالغ في تنميقه، ولا يبحثون عن اللغة المكلّفة أو العبارات الثقيلة التي تحتاج إلى فك رموز. الفكرة التي تحتاج جملة معقدة لتُفهم، غالباً ما تُهمل قبل أن يكتمل قراءتها. ما يريده الناس في بيئة مليئة بالمهام والمشتتات هو الفكرة الواضحة، المباشرة، التي تصلهم بسرعة، وتُترجم إلى صورة ذهنية أو قرار عملي دون جهد عقلي كبير.
هذا لا يعني أنهم يرفضون العمق، بل يعني أن العمق يجب أن يأتي في إطار سهل الهضم، بأسلوب يفتح الباب للفهم بدل أن يغلقه بجدار من المصطلحات. فالكتابة التي تحترم وقت القارئ، وتختصر له الطريق نحو المعنى، هي التي تترك الأثر وتحقق الاستجابة. وفي عالم تسوده السرعة، حيث معدل الانتباه يتناقص باستمرار، تصبح البساطة المدروسة ليست مجرد خيار، بل ضرورة مهنية.
ما تقوله الدراسات الحقيقية:
معظم القرّاء لا يقرأون النص كاملاً: دراسة لـ Jakob Nielsen وجدت أن 79% من المستخدمين يتصفحون الصفحة مسحاً، و16% فقط يقرؤونها بالكامل.المصدر
القراءة تقتصر على 20–28% من النص: بحث آخر من Nielsen Norman Group أظهر أن القارئ العادي يقرأ فقط من 20% إلى 28% من محتوى الصفحة.المصدر
العناوين البسيطة تحقق نتائج أفضل: دراسة منشورة في Science Advances، اعتمدت على أكثر من 30,000 تجربة ميدانية من Washington Post وUpworthy، أكدت أن القرّاء يفضلون العناوين البسيطة (باستخدام كلمات مألوفة وسهلة) على المعقّدة، مما يزيد التفاعل ونسب النقر.المصدر
ما الذي تعنيه هذه الأرقام؟
القرّاء لا يملكون وقتاً أو طاقة ذهنية لتحليل النصوص المعقّدة.
البساطة لا تعني السطحية، بل تعني وضوح الرسالة وسهولة الوصول إليها.
العنوان البسيط هو المفتاح لجذب القارئ لمتابعة القراءة.
البساطة كمهارة مكتسبة
البساطة ليست موهبة يولد بها الكاتب، بل هي مهارة تُصقل مع الوقت. الكاتب المتمكن هو من يعرف كيف يختصر الفكرة دون أن يفرغها من معناها، وكيف يبني جسراً بين العمق والوضوح. وهذا يتطلب تدريباً على إعادة الصياغة، وتجربة طرق مختلفة لتوصيل الرسالة، وطلب ملاحظات من جمهور متنوع لقياس الفهم والاستيعاب.
تأثير البساطة على بناء الثقة
الكتابة الواضحة تخلق شعوراً بالثقة بين الكاتب والقارئ. عندما يفهم القارئ رسالتك بسهولة، فهو يشعر أنك تحترم وقته، وأن هدفك هو خدمته بالمعلومة لا استعراض مهاراتك اللغوية. وهذا ينعكس على ولاء الجمهور واستعداده للعودة لقراءة المزيد من أعمالك.
رسالتي لطلاب الإعلام والكتابة
الجامعة تمنحك نصف المعرفة التي تحتاجها فقط، أما النصف الآخر فمسؤوليتك أنت، وتبنيه من خلال:
المشاريع العملية
التجارب الواقعية
التطبيق العملي لما تتعلمه
ولا تقع في فخ الاعتقاد أن التعقيد يساوي الاحتراف. البساطة المدروسة هي الذكاء الحقيقي.
تابعني على لينكدان: محمد الجندلي















تعليقات